صديق الحسيني القنوجي البخاري

93

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَلا يُظْلَمُونَ هؤلاء المزكون أنفسهم من أعمالهم فَتِيلًا هو الخيط الذي في نواة الثمر ، وقيل القشرة التي حول النواة وقيل هو ما يخرج بين إصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما فهو فتيل بمعنى مفتول ، والمراد هنا الكناية عن الشيء الحقير ، ومثله وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [ النساء : 124 ] ، وهو النكتة التي في ظهر النواة . والمعنى أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم لأنفسهم بقدر هذا الذنب ، ولا يظلمون بالزيادة على ما يستحقون ، ويجوز أن يعود الضمير إلى ( من يشاء ) أي لا يظلم هؤلاء الذين يزكيهم اللّه فتيلا مما يستحقونه من الثواب . وقد ضربت العرب المثل في القلّة بأربعة أشياء اجتمعت في النواة وهي الفتيل والنقير وهو النقرة التي في ظهر النواة ، والقطمير وهو القشر الرقيق فوقها ، وهذه الثلاثة واردة في الكتاب العزيز ، والثفروق وهو ما بين النواة والقمع الذي يكون في رأس الثمرة كالعلاقة بينهما . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 50 إلى 52 ] انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ( 50 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ( 51 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ( 52 ) ثم عجّب النبي صلى اللّه عليه وسلم من تزكيتهم لأنفسهم فقال : انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في قولهم ذلك ، والافتراء الاختلاق ومنه افترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه ، وفريت الشيء قطعته ، والافتراء والكذب متقاربان معنى أو معناهما واحد . وفي قوله : وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً من تعظيم الذنب وتهويله ما لا يخفى أي كفى بالافتراء وحده وبالأولى إذا انضم إلى التزكية ، والتنكير في إثما للتشديد . أَ لَمْ تَرَ تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأول إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ هم اليهود يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ اختلف المفسرون في معنى الجبت والطاغوت فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية الجبت الساحر بلسان الحبشة والطاغوت الكاهن ، وروي عن عمر بن الخطاب أن الجبت السحر والطاغوت الشيطان . وروي عن ابن مسعود أن الجبت والطاغوت هنا كعب بن الأشرف ، وقال قتادة الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن ، وروي عن مالك أن الطاغوت ما عبد من دون اللّه ، والجبت الشيطان ، وقيل هما كل معبود من دون اللّه أو مطاع في معصية اللّه ، وقيل هما صنمان كانا لقريش وهما اللذان سجد اليهود لهما لمرضاة قريش . وأصل الجبت الجبس وهو الذي لا خير فيه فأبدلت التاء من السين قاله قطرب ، وقيل إبليس والطاغوت أولياؤه ، وعن قطن بن قبيصة عن أبيه قال سمعت رسول اللّه